السيد كمال الحيدري

69

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

على هذا المنوال ساق المعتزلة حشداً كبيراً من الأمثلة استدلّوا من خلالها على حاجة المعلول إلى العلّة في حدوثه لا في بقائه ، حتّى صرّح بعضهم أنّ العالم والوجود إنّما يحتاج إلى العلّة الموجدة الله سبحانه حدوثاً لا بقاءً ، بنحو إذا فرض أنّه يجوز على واجب الوجود العدم ، لما ضرّ عدمه وجود هذا العالم شيئاً ، باعتبار أنّ العالم إنّما احتاج إلى الواجب سبحانه في حدوثه ، أمّا بعد حدوثه فهو مستغن عن علّته الموجدة بقاءً ، وعندئذ فإنّ عدمه لا يؤثّر على وجود المعلول خارجاً . هذا المنحى الاعتزالى أشار إليه ابن سينا ونبّه إلى ما ينطوى عليه من وهم ، فكتب في « الإشارات والتنبيهات » ما نصّه : « وقد يقولون : إنّه إذا أوجِد ، فقد زالت الحاجة إلى الفاعل ، حتّى أنّه لو فُقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجوداً ، كما يشاهدونه من فقدان البنّاء وقوام البناء ، وحتّى أنّ كثيراً منهم لا يتحاشى أن يقول : لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضرّ عدمه وجود العالم ؛ لأنّ العالم عنده إنّما يحتاج إلى الباري تعالى في آن أوجده ، أي أخرجه من العدم إلى الوجود ، حتّى كان بذلك فاعلًا . فإذ قد فُعِل وحصل له الوجود عن العدم ، فكيف يخرج بعد ذلك إلى الوجود عن العدم حتّى يحتاج إلى الفاعل ؟ وقالوا : لو كان يفتقر إلى الباري تعالى من حيث هو موجود ، لكان كلّ موجود مفتقراً إلى موجد آخر ، والبارى أيضاً موجود ، وكذلك إلى غير النهاية » « 1 » . ثمّ ينتقل لتحليل الدعوى والردّ عليها . على هذا التقت كلمة الباحثين والدارسين قدماء ومعاصرين على أنّ الدليل العقلي الذي أقامه المعتزلة يرجع إلى هذه القاعدة « 2 » .

--> ( 1 ) الإشارات والتنبيهات ، للشيخ أبى على حسين بن عبد الله بن سينا ، في علم ما قبل علم الطبيعة ، مع الشرح للمحقّق نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي ، وشرح الشرح للعلّامة قطب الدين محمد بن محمد أبى جعفر الرازي ، الطبعة الثانية ، قم 1403 ه ، ج 3 ، ص 68 ( النمط الخامس ، الفصل الأوّل ) . ( 2 ) ينظر مثلًا : محاضرات في أصول الفقه ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 78 ؛ الإلهيّات ، مصدر سابق ، ص 669 ، 673 مضافاً إلى المصادر التي ذكرت في الهامش الأسبق .